السبت، 11 مايو، 2013

ألقيتها في البئر



هذه قصة من المواقف التي ابكت الرسول صلى الله عليه وسلم حيث روي أن رجلا من أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  كان لا يزال مغتما بين يدي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال له رسول الله  صلى الله عليه وسلم ما لك تكون محزونا.

فقال يا رسول الله إن أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت فقال له   أخبرني عن ذنبك   فقال يا رسول الله إن كنت من الذين يقتلون بناتهم فولدت لي بنت فتشفعت إلي امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت وصارت من أجمل النساء فخطبوها فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج.

فقلت للمرأة إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي وأخذت على المواثيق بألا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول يا أبت ماذا تريد أن تفعل بي فرحمتها ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية ثم التزمتني وجعلت تقول يا أبت لا تضيع أمانة أمي فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة وهي تنادي في البئر يا أبت قتلتني فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت فبكى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه وقال لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك .

(تفسير القرطبي ج7/ص97)
اقرأ المزيد...

السبت، 4 مايو، 2013

طرح رؤوس الكفر في بئر يوم بدر


قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة قالت‏:‏ لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه، فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة‏.‏

فلما ألقاهم في القليب، وقف عليهم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً‏)‏‏) ، قالت‏:‏ فقال له أصحابه‏:‏ يا رسول الله أتكلم قوماً موتى‏؟ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق‏)‏‏)‏‏.‏
قالت عائشة‏:‏ والناس يقولون لقد سمعوا ما قلتُ لهم، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لقد علموا‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال‏:‏ سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله من جوف الليل، وهو يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام - فعدد من كان منهم في القليب - هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً‏؟‏ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً‏)‏‏)‏‏.‏

فقال المسلمون‏:‏ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أتنادي قوماً قد جيفوا‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني‏)‏‏)‏‏.‏ وقد رواه الإمام أحمد، عن ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، فذكر نحوه‏.، وهذا على شرط الشيخين‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس؛ هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ وهذا مما كانت عائشة رضي الله عنها تتأوله من الأحاديث، كما قد جمع ما كانت تتأوله من الأحاديث في جزء، وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 22‏]‏‏.‏

وليس هو بمعارض له، والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم للأحاديث الدالة نصاً، على خلاف ما ذهبت إليه رضي الله عنها وأرضاها‏.‏
وقال البخاري‏:‏ حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال‏:‏ ذكر عند عائشة أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله، فقالت‏:‏ رحمه الله إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن‏)‏‏)‏‏.‏

قالت‏:‏ وذاك مثل قوله‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب، وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال، قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنهم ليسمعون ما أقول‏)‏‏)‏، وإنما قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنهم الآن ليعلمون إنما كنت أقول لهم حق‏)‏‏)‏‏.
ثم قرأت‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 80‏]‏ ‏{‏وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 22‏]‏ تقول‏:‏ حين تبوؤا مقاعدهم في النار‏.‏وقد رواه مسلم، عن أبي كريب، عن أبي أسامة به، وقد جاء التصريح بسماع الميت بعد دفنه في غير ما حديث، كما سنقرر ذلك في كتاب الجنائز من ‏(‏الأحكام الكبير‏)‏ إن شاء الله‏.‏

ثم قال البخاري‏:‏ حدثني عثمان، ثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر قال‏:‏ وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً‏)‏‏)‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم‏)‏‏)‏‏.‏

وذكر لعائشة فقالت‏:‏ إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق‏)‏‏)‏، ثم قرأت‏:‏ ‏{‏إنك لا تسمع الموتى‏}‏ حتى قرأت الآية‏.‏
وقد رواه مسلم، عن أبي كريب، عن أبي أسامة، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، كلاهما عن هشام بن عروة‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدثنا عبد الله بن محمد، سمع روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال‏.‏

فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا‏:‏ ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفى الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم‏:‏‏(‏‏(‏يا فلان ابن فلان ويا فلان بن فلان، يسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقال عمر‏:‏ يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها ‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم‏)‏‏)‏‏.‏قال قتادة‏:‏ أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً‏.‏ وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن سعيد بن أبي عروبة‏.‏

ورواه الإمام أحمد، عن يونس بن محمد المؤدب، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة قال‏:‏ حدث أنس بن مالك فذكر مثله، فلم يذكر أبا طلحة، وهذا إسناد صحيح‏.‏ ولكن الأول أصح وأظهر والله أعلم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عفان، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا، ثم أتاهم فقام عليهم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً‏؟‏ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فسمع عمر صوته، فقال‏:‏ يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون ‏؟‏يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنك لا تسمع الموتى‏}‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/359‏)‏
فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا‏)‏‏)‏‏.‏
ورواه مسلم، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به‏.‏
وقال ابن إسحاق وقال حسان بن ثابت‏:‏
عرفت ديار زينب بالكثيب * كخط الوحي في الورق القشيب
تداولها الرياح وكل جون * من الوسمي منهمرٌ سكوب
فأمسى رسمها خلقاً وأمست * يباباً بعد ساكنها الحبيب
فدع عنك التذكر كل يوم * ورد حرارة القلب الكئيب
وخبّر بالذي لا عيب فيه * بصدق غير إخبار الكذوب
بما صنع المليك غداة بدر * لنا في المشركين من النصيب
غداة كأن جمعهم حراءٌ * بدت أركانه جنح الغروب
فلاقيناهم منا بجمعٍ * كأسد الغاب مردانٍ وشيب
أمام محمدٍ قد وازروه * على الأعداء في لفح الحروب
بأيديهم صوارمٌ مرهفاتٌ * وكل مجرّب خاطي الكعوب
بنو الأوس الغطارف وآزرتها * بنو النّجار في الدِّين الصليب
فغادرنا أبا جهل صريعاً * وعتبة قد تركنا بالجبوب
وشيبةً قد تركنا في رجالٍ * ذوي حسب إذا نسبوا حسيب
يناديهم رسول الله لمّا * قذفناهم كباكب في القليب
ألم تجدوا كلامي كان حقاً * وأمر الله يأخذ بالقلوب
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا‏:‏ * صدقت وكنت ذا رأيٍ مصيب
قال ابن إسحاق‏:‏ ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب، أخذ عتبة بن ربيعة، فسحب في القليب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير لونه، فقال‏:‏

‏(‏‏(‏يا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء‏)‏‏)‏ - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -‏ فقال‏:‏ لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك‏.
فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقال له‏:‏ ‏(‏‏(‏خيراً‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/360‏)‏ وقال البخاري‏:‏ حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، ثنا عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 28‏]‏‏.‏

قال‏:‏ هم والله كفار قريش‏.‏ قال عمرو‏:‏ هم قريش، ومحمد نعمة الله ‏{‏وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 28‏]‏ قال‏:‏ النار يوم بدر‏.‏قال ابن إسحاق وقال حسان بن ثابت‏:‏
قومي الذين هم آووا نبيّهم * وصدّقوه وأهل الأرض كفار
إلا خصائص أقوام هم سلفٌ * للصالحين من الأنصار أنصار
مستبشرين بقسم الله قولهم * لما أتاهم كريم الأصل مختار
أهلاً وسهلاً ففي أمنٍ وفي سعةٍ * نعم النبيُّ ونعم القسم والجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها * من كان جارهم داراً هي الدار ‏؟‏
وقاسموهم بها الأموال إذ قدموا * مهاجرين وقسم الجاهل النار
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم * لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
والاهم بغرور ثم أسلمهم * إن الخبيث لمن والاه غرّار
وقال‏:‏ إني لكم جار فأوردهم * شرَّ الموارد فيه الخزي والعار
ثم التقينا فولّوا عن سراتهم * من منجدين ومنهم فرقة غاروا
وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يحيى بن أبي بكر، وعبد الرزاق، قالا‏:‏ حدثنا إسرائيل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتلى، قيل له‏:‏ عليك العير ليس دونها شيء‏.‏
فناداه العباس وهو في الوثاق‏:‏ إنه لا يصلح لك‏.‏
قال‏:‏ لم ‏؟‏
قال‏:‏ لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أنجز لك ما وعدك‏.‏
وقد كانت جملة من قتل من سراة الكفار يوم بدر سبعين، هذا مع حضور ألف من الملائكة، وكان قدر الله السابق فيمن بقي منهم أن سيسلم منهم بشر كثير، ولو شاء الله لسلط عليهم ملكاً واحداً، فأهلكهم عن آخرهم، ولكن قتلوا من لا خير فيه بالكلية‏.‏

وقد كان في الملائكة جبريل الذي أمره الله تعالى فاقتلع مدائن قوم لوط، وكن سبعاً فيهن من الأمم والدواب والأراضي والمزروعات، ما لا يعلمه إلا الله، فرفعهن حتى بلغ بهن عنان السماء على طرف جناحه، ثم قلبهن منكسات واتبعهن بالحجارة التي سومت لهم، كما ذكرنا ذلك في قصة قوم لوط كما تقدم‏.‏

وقد شرَّع الله جهاد المؤمنين للكافرين، وبين تعالى حكمه في ذلك فقال‏:‏ ‏{‏فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 4‏]‏ الآية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/361‏)‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ‏}‏‏[‏التوبة‏:‏ 14-15‏]‏ الآية‏.‏

فكان قتل أبي جهل على يدي شاب من الأنصار، ثم بعد ذلك يوقف عليه عبد الله بن مسعود ومسك بلحيته، وصعد على صدره حتى قال له‏:‏ لقد رقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم‏.‏

ثم بعد هذا حز رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدي رسول الله، فشفى الله به قلوب المؤمنين، كان هذا أبلغ من أن تأتيه صاعقة أو أن يسقط عليه سقف منزله أو يموت حتف أنفه، والله أعلم‏.‏

وقد ذكر ابن إسحاق فيمن قتل يوم بدر مع المشركين ممن كان مسلماً، ولكنه خرج معهم تقية منهم، لأنه كان فيهم مضطهداً قد فتنوه عن إسلامه جماعة، منهم‏:‏ الحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج‏.
قال‏:‏ وفيهم نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 79‏]‏‏.‏

وكان جملة الأسارى يومئذٍ سبعين أسيراً، كما سيأتي الكلام عليهم فيما بعد إن شاء الله‏.‏
منهم‏:‏ من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس بن عبد المطلب، وابن عمه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وقد استدل الشافعي والبخاري وغيرهما بذلك على أنه ليس كل من ملك ذا رحم محرم يعتق عليه، وعارضوا به حديث الحسن عن ابن سمرة في ذلك، فالله أعلم‏.‏

وكان فيهم أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس بن أمية، زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏
اقرأ المزيد...

الأحد، 28 أبريل، 2013

معلومات عامه عن الكعبة



 الكعبة :
1. الحجر الأسود ويقع في الزاوية الجنوبية الشرقية 
✿-------------✿
2. باب الكعبة ويقع الحائط الشرقي ويرتفع 2.13 متر عن الأرض 
✿-------------✿
3. مزراب ويقع في الحائط الشمالي لإخراج مياه الأمطار 
✿-------------✿
4. الشاذروان وهو جزء من حجر أساس الكعبة 
✿-------------✿
5. حجر إسماعيل الحطيم
✿-------------✿
6. ملتزم
✿-------------✿
7. مقام سيدنا إبراهيم
✿-------------✿
8. زاوية الحجر الاسود
✿-------------✿
9. زاوية اليمن
✿-------------✿
10. زاوية سوريا
✿-------------✿
11. زاوية العراق
✿-------------✿
12. كسوة الكعبة
✿-------------✿
13. شريط من الرخام وقد تمت إزالته الآن
 منعا لتدافع الناس والازدحام
✿-------------✿
14. مقام إبراهيم 

اقرأ المزيد...

تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل بدر


وقال بعضهم‏:‏ كان ذلك في رجب من سنة ثنتين وبه قال قتادة وزيد بن أسلم وهو رواية عن محمد بن إسحاق‏.‏
وقد روى أحمد عن ابن عباس ما يدل على ذلك وهو ظاهر حديث البراء بن عازب كما سيأتي والله أعلم‏.‏
وقيل‏:‏ في شعبان منها‏.‏
قال ابن إسحاق‏:‏ بعد غزوة عبد الله بن جحش‏:‏ ويقال‏:‏ صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/309‏)‏
وحكى هذا القول ابن جرير من طريق السدي فسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة‏.‏
قال الجمهور الأعظم‏:‏ إنما صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة‏.‏
ثم حكي عن محمد بن سعد، عن الواقدي أنها حولت يوم الثلاثاء النصف من شعبان، وفي هذا التحديد نظر والله أعلم‏.‏
وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 144‏]‏، وما قبلها وما بعدها من اعتراض سفهاء اليهود والمنافقين والجهلة الطغام على ذلك لأنه أول نسخ وقع في الإسلام هذا وقد أحال الله قبل ذلك في سياق القرآن تقرير جواز النسخ عند قوله‏:‏ ‏{‏ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير‏}‏‏.‏
وقد قال البخاري‏:‏ حدثنا أبو نعيم سمع زهيراً عن أبي إسحاق، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً - أو سبعة عشر شهراً - وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال‏:‏ أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ِقبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 143‏]‏ رواه مسلم من وجه آخر‏.‏
وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر - أو سبعة عشر - شهراً، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة فأنزل الله‏:‏ ‏{‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 144‏]‏‏.‏
قال‏:‏ فوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس‏:‏ - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها‏.‏
فأنزل الله‏:‏ ‏{‏قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏}‏ وحاصل الأمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه كما رواه الإمام أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنه، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما فصلى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة واستدبر الكعبة ستة عشر شهراً - أو سبعة عشر شهراً - وهذا يقتضي أن يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/310‏)‏
وكان عليه السلام يحب أن يصرف قبلته نحو الكعبة قبلة إبراهيم وكان يكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله عز وجل فكان مما يرفع يديه وطرفه إلى السماء سائلاً ذلك فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام‏}‏الآية‏.‏
فلما نزل الأمر بتحويل القبلة خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وأعلمهم بذلك كما رواه النسائي عن أبي سعيد بن المعلى وأن ذلك كان وقت الظهر‏.‏
وقال بعض الناس‏:‏ نزل تحويلها بين الصلاتين قاله مجاهد وغيره ويؤيد ذلك ما ثبت في ‏(‏الصحيحين‏)‏ عن البراء أن أول صلاة صلاها عليه السلام إلى الكعبة بالمدينة العصر والعجب أن أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصبح من اليوم الثاني كما ثبت في ‏(‏الصحيحين‏)‏ عن ابن عمر‏.‏
قال‏:‏ بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة‏.‏
وفي ‏(‏صحيح مسلم‏)‏ عن أنس بن مالك نحو ذلك‏.‏
والمقصود أنه لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة ونسخ به الله تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس طعن طاعنون من السفهاء والجهلة والأغبياء قالوا‏:‏ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، هذا والكفرة من أهل الكتاب يعلمون أن ذلك من الله لما يجدونه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم من أن المدينة مهاجره وأنه سيؤمر بالاستقبال إلى الكعبة كما قال‏:‏ ‏{‏وإن الذين أورثوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم‏}‏ الآية‏.‏
وقد أجابهم الله تعالى مع هذا كله عن سؤالهم، ونعتهم فقال‏:‏ ‏{‏سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏}‏ أي‏:‏ هو المالك المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه الذي يفعل ما يشاء في خلقه ويحكم ما يريد في شرعه، وهو الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ويضل من يشاء عن الطريق القويم، وله في ذلك الحكمة التي يجب لها الرضا والتسليم‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطاً‏}‏ أي‏:‏ خياراً ‏{‏لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً‏}‏ أي‏:‏ وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم وهديناكم إلى قبلة أبيكم إبراهيم والد الأنبياء بعد التي كان يصلي بها موسى فمن قبله من المرسلين كذلك جعلناكم خيار الأمم وخلاصة العالم وأشرف الطوائف وأكرم التالد والطارف لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس لإجماعهم عليكم وإشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم‏.‏
كما ثبت في ‏(‏صحيح البخاري‏)‏‏:‏ عن أبي سعيد مرفوعاً من استشهاد نوح بهذه الأمة يوم القيامة وإذا استشهد بهم نوح مع تقدم زمانه فمن بعده بطريق الأولى والأخرى‏.‏
ثم قال تعالى مبينا حكمته في حلول نقمته بمن شك وارتاب بهذه الواقعة‏.‏
وحلول نعمته على من صدق وتابع هذه الكائنة‏.‏
فقال‏:‏ ‏{‏وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول‏}‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 3/311‏)‏
قال ابن عباس‏:‏ إلا لنرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة أي‏:‏ وإن كانت هذه الكائنة العظيمة الموقع كبيرة المحل شديدة الأمر إلا على الذي هدى الله أي‏:‏ فهم مؤمنون بها مصدقون لها لا يشكون ولا يرتابون بل يرضون ويؤمنون ويعملون لأنهم عبيد للحاكم العظيم القادر المقتدر الحليم الخبير اللطيف العليم وقوله‏:‏ ‏{‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏}‏ أي‏:‏ بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة إليه ‏{‏إن الله بالناس لرؤف رحيم‏}‏‏.‏
والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جداً يطول استقصاؤها وذلك مبسوط في التفسير وسنزيد ذلك بياناً في كتابنا ‏(‏الأحكام الكبير‏)‏‏.‏
وقد روى الإمام أحمد‏:‏ حدثنا علي بن عاصم، حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ - يعني‏:‏ في أهل الكتاب - ‏(‏‏(‏إنهم لم يحسدونا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله إليها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا، وعلى قولنا خلف الإمام آمين‏)‏‏)‏‏.‏
اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 16 أبريل، 2013

الصحابي الجليل زيد بن ثابت



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .


الصفات الجسدية التي كان يتمتع بها زيد بن حارثة :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس التاسع من دروس سِيَر الصحابة رِضْوان الله عليهم أجْمعين، وصَحابِيُّ اليوم حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفَهُ الواصِفون بأنَّهُ كان قصير القامة، شديد السُّمْرة، في أنفِهِ فطَس، وأما نبؤُهُ فَعَظيمٌ جداً جداً، ماذا تدُلُّكم هذه المُفارقة, قصير القامة، شديد السُّمْرة، في أنفِهِ فَطَس، وهو حِبُّ رسول الله؟ وسَأريكم بعد قليل كم هي المكانة التي يتمَتَّع بها عند النبي عليه الصلاة والسلام؟ وسأُخْبِرُكم بعد قليل أنَّ الصحابيُّ الوحيد الذي ذكر الله اسمه في القرآن هو سيِّدُنا زَيْد، وفي ذِكْره قِصَّة، ولماذا ذكر الله اسمه في القرآن الكريم؟ .

 أوَّلاً: لا قيمة لِشَكْل الإنسان إطْلاقاً عند الله عز وجل، أيَّةُ صِفَةٍ تكون مُتَلَبِّساً بها قصيرُ القامة أو طويلها، أبيض اللون أو أسْمر اللون، أيَّةُ صِحَّةٍ, وأيَّةُ عاهَةٍ، أيُّ جمـالٍ, وأيَّةُ وسامَةٍ, وأيـَّةُ دمامةٍ لا أثر لها عند الله تعالى, قيمة الرجل في إيمانه وأفْعاله وعملــه، إذاً: كلُّ القِيَم المادِيَّــة الأخرى تحت الأقدام نَبِيُّ الرحمة والعدل والقِيَم والأخلاق، كلها اجتمعت فيه، وهاهو عليه الصلاة والسلام, يقول:((إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّم َصالح الأخلاق))[أخرجه أحمد في مسنده]

إنه حِبُّ رسول الله .
لسيدنا زيد قصة مؤثرة فاستمعوا لها :
هذا الصحابيُّ الجليل كان أقرب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام, قبل أنْ يُبْعَث النبي عليه الصلاة والسلام له قِصَّة، وهي أنَّ زَيْداً كان صغيراً وعُمرهُ لا تزيد على ثماني سنوات، أَتَوْا به إلى سوق عُكاظ وباعوه عَبْداً, لماذاَ؟ لأنَّ أمه سعدى بنت ثعْلبة أرادت أن تزور قومها بني معن, وكانت تصحب معها ابنها زيد بن حارثة الكعبي، فما كادت تحِلُّ في ديار قومها حتى أغارت عليهم خيلٌ لبني القيد, فأخذوا المال واستاقوا الإبل وسبوا الذراري، هكذا كان العرب في الجاهلية .

 فكان هذا الطفل الصغير في الثامنة من عمره مع أمه في زيارة بيت جدِّه, جاءت غارةٌ مفاجئة فأخذته وباعته في سوق عُكاظ عبداً, واشترى هذا العبدَ حكيم بن حَزام بن خُوَيلِد بأربعمئة درهم، واشترى معه طائفةً من الغلمان وعاد بهم إلى مكة, فلما عرفت عمَّتُه خديجة بنت خُوَيلد بمقدمه زارته مسَلِّمةً عليه مرَحِّبةً به, فقال:
((يا عمَّةُ, لقد ابتعتُ من سوق عُكاظٍ طائفةً من الغلمان فاختاري أيَّا منهم تشائين فهو هديَّةٌ لكِ، فتفرَّست السيدةُ خديجةُ وجوه الغلمان واختارت زيدَ بنَ الحارثة لِما بدا لها من نجابته, ومضتْ به, وما هو إلاَّ وقتٌ قليلٌ حتَّى تزوَّجتْ خديجةُ بنتُ خويلد من محمد بنِ عبدِ الله صلى الله عليه وسلم فأرادت أن تُطرِفه, أي تتحفه بتُحفة وهدية، فأهدت له غلامها زيد بن حارثة، فأعتقه النبي عليه الصلاة والسلام فورًا .

بقِيَ عند النبي عليه صلاة والسلام، لم يَبْقَ عنده عبداً، إنما بقي عنده ضيفًا، أما أُمُّه وأبوه فقد بَكَيَا عليه كثيرًا وبَحَثاَ عنه كثيرًا، وفي موسمٍ من مواسم الحجِّ قصَدَ البيتَ الحرام نفرٌ من قوم زيدٍ، وفيما كانوا يطوفون بالبيت العتيق, إذْ هم بِزَيدٍ وجهاً لوجهٍ، فعرفوه وعرفهم وسألوه وسألهم، ولما قضَوْا مناسكهم وعادوا إلى دِيارِهم أخبروا حارثةَ, -من حارثةُ؟ أبوه– بِما رأوا وبما سمعوا, وقال زيدٌ لهؤلاء: أخبروا أبي أني مع أكرمِ والد))

ما هي المعاني التي يمكن أن نستنبطها من القصة ؟
هناك معانٍ كثيرةٌ جدًّا تدور في نفسي حول هذه القصة، النبي عليه الصلاة والسلام لم يُبعَثْ بعدُ، اسمه محمدُ بنُ عبدِ الله، وانظر إلى تعامله لزيد حتى تكلم زيد لأبناء قومه أني مع أكرم والد .

 وبعد, دعونا قليلاً من أحداثِ هذه السيرةِ وتعالَوْا بنا إلى حياتنا اليومية، أنتَ كمؤمن, إذا كان إنسانٌ تحتَ يَدِكَ, وليكُنْ صانعاً في محلِّكَ التِّجاري, وليكن موظفاً عندك، أنتَ كمؤمنٍ عليك أن تقتديَ بهذا النبي عليه الصلاة والسلام، يجبُ أن تعاملَه كما تُعامل ابنَك إلى أن يقولَ هذا الإنسانُ الذي تحت يدك: أنا مع أكرم والد، الإسلامُ هكذا، الذي تحت يدك يجب أن تُطعِمَه ممَّا تأكلُ, وأن تُلبسَه ممَّا تلبس، أنا يَحُزُّ في قلبي أن أرى رجلاً مسلماً عنده مُوظَفٌ أو صانعٌ أو غُلامٌ صغيرٌ، يؤتى له بالطَّعام ظهرًا فيأكل، وذاك الغلام أو ذاك المُوَظف أو ذاك الصَّانع ينظرُ إليه, ولا يقول له: تَعَالَ كُلْ معي يا بني .

 أيُّها الأخوة الأكارم, إن لم تُعاملوا مَنْ تَحْتَ أيديكم كما تُعاملون أبناءكم, فو اللهِ الذي لا إله إلاَّ هو لا قيمةَ لا لصلاتكم ولا لصومكم ولا لحجِّكُم، فالدِّينُ هكذا، هذا الذي يعيش معك ويتعامل معك إن لم يشعرْ برحمتك وبِعَطْفك وبِحِرصِك، فأنتَ لستَ مسلماً، لعلَّك تظنُّ أنَّ الإسلامَ صومٌ وصلاةٌ، لا والله، شيء يُلفتُ النظرَ فهذا كان قبل البعثة، ولو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عامله هذه المعاملة بعد أن بعثه الله وأحبَّه، فلرُبَّما ليستفيد دعاية له، أو مُجاملةً، لكن عامله المعاملة الطيبة قبل البِعثةِ وهو كرجلٍ من رجال مكةَ اسمُه محمَّدُ بنُ عبد الله .

 لديك يتيمٌ في بيْتِك إنْ لم تَرْعَهُ الرِّعاية التامة وتُطْعِمه مما تأكل، إنْ لم يشْعُر بالحَنان والإنصاف، فإسلامك صورة وشكل، سيّدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان عنده ضَيْفٌ وهو أمير المؤمنين فانطفأ السِّراج، فقامَ سيّدنا عمر بِنَفْسِه وأصلح السِّراج، فهذا الضَّيف وقع في حرَجٍ, فقال له: أنت أميرُ المؤمنين، قُل للغُلام أو أكون أنا مُصْلِحه، فقال له: أما أنت فَضَيْفٌ وَسَخافَةٌ بالمرء أنْ يسْتخدم ضَيْفه, هكذا النبي علَّمَهُ، وأما الغُلام فقد نام وكَرِهْتُ أنْ أوقظه, ذَهَبْتُ وأنا عمر وعُدْتُ وأنا عمر .

 فيا أيها الأخوة الأكارم, الإسلام دينُ معاملة بِحَيث يجْعلك عند عاملك أو الموظف الذي لديك تزْداد احْتِراماً وحُباً عنده وتَعَلُّقاً بك وكُلُّ هذا من الإحْسان، والله لو عامَلْنا غيرنا بهذه المُعاملة لكُنا مُجْتَمَعاً مُتَماسِكاً وبِحالٍ غير هذه الحال قَوْلاً وعملاً .

 فالنبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصْحابه, وقال:
((وعلّيَّ جمعُ الحطب، فقالوا: نَكْفيكَ ذلك, قال: أعرف، ولكنَّ الله يكرهُ أنْ يرى عبداً مُتَمَيِّزاً عن أقْرانه))
في معْركة بدْر, قال:
((أنا وعليّ وأبو لُبابة على راحِلَة, فقالوا: ابْقَ راكِباً, فقال: لا، ما أنتما بِأقْوى مني على المَشْي، ولا أغْنى مني عن الأجر))
هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم بلا مَيِّزَة، فَحُبُّهم له وتعْظيمُهُم له وتقْديسُهم له شيءٌ آخر, أما هو فقد جعل نفْسه معهم في كفَّةٍ واحدة, سَواءً بِسَواء, حتى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا جلس مع أصْحابه ودخل أعْرابيّ لم يعْرِفْهُ, قال:
((أيُّكُم مُحمّدٌ صلى الله عليه وسلّم, فَيَقول النبي: قد أصَبْتَ))
لماذا؟ لأنه لم تكن له ميزَةٌ على أصْحابه الكِرام .
ما السبب الذي دفع زيد بن حارثة إلى الاستبقاء مع النبي دون والديه ؟
حارثة لما علِمَ أنَّ ابنه فَلِذَةُ كَبِدِه بِمَكَّة عند محمدٍ بن عبد الله، شَدَّ راحِلَتَهُ وهيَّأ المبلغ الكبير لافتدائه, تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مكَّة المُكَرَّمة ومعه أخوه فلما دخلا على محمد بن عبد الله, قالاَ له :
((يا بن عبد المُطَّلب أنتم جيران الله تَفُكُّون العاني, وتُطْعِمون الجائِع, وتُغيثون الملْهوف, وقد جِئْنا في ابننا الذي عِندك، وحَمَلْنا إليك من المال ما يفي به، فامْنُنْ علينا وفاده لنا بما تشاء واطْلُب المبلغ الذي تريد, فقال عليه الصلاة والسلام وهو سيّد الخلق: ومن ابْنُكُما الذي تَعْنِيان؟ – الدِّقَة والتحْقيق – فقالاَ: غُلامك زَيْدُ بن حارِثَة, فقال: وهل لكما فيما هو خيرٌ من الفِداء؟ فقالا: وما هو؟ قال عليه الصلاة والسلام: أدْعوه لكم فَخَيِّروهُ بيني وبينكم فإنْ اخْتاركم فَهُو لكم بِغَيْر مال, وإن اخْتارني فما أنا بالذي يرغب عمن اخْتاره))
دَقِّقوا في دِقَّة النبي عليه الصلاة والسلام، ((فقال العمّ والأب: والله قد أنْصَفْت وبالغتَ في الإنصاف, فَدَعا النبي عليه الصلاة والسلام زيْداً, فقال: من هذان؟ قال: هذا أبي حارثة ابن شُرَحْبيل, وهذا عمِّي كَعْب, فقال: يا زيد, قد خَيَّرْتك إنْ شِئتَ مَضَيْتَ معهما, وإن شِئتَ أقَمْتَ معي، فقال زيدٌ من غير تَرَدُّدٍ ولا إبْطاء: بل أُقيمُ معك، وما أنا بالذي أخْتار عليك أحداً أنت الأب والعمّ, فقال أبوه: وَيْحَكَ يا زيد, أَتخْتارُ العُبودِيَّة على أبيك وأمِّك؟ قال: إني رأيْتُ من هذا الرجل شيئاً أنْساني كُلَّ إنْسان، ما أنا بالذي يُفارقُه أبداً))
هذه هي المُعاملة, هل تسْتطيع أنْ تُعامل إنْساناً مُعامَلَةً يؤْثِرُك على أمِّهِ وأبيه؟ إذا كنت مؤمناً فهكذا تُعامل الناس، المؤمن أيها الأخوة، كيْفما تَحَرَّك مع الذين يعيشون معه من شِدّة إنصافه ورحمته وحنانه وعَطْفِه وكرمِهِ ووفائِه وتواضُعِه يؤثرونه على كُلِّ شيء .

((فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام من زَيْدٍ ما رأى أخذ بِيَده وأخْرجه إلى البيت الحرام, ووقف به بِالحِجْر على ملأ من قُرَيش, وقال: يا معْشَر قُرَيْش, اِشْهدوا أنَّ هذا ابني يَرِثُني وأرِثُهُ، عندئِذٍ طابتْ نفسُ أبيه وعَمِّه وخَلَّفاهُ عند محمّدٍ بن عبد الله وعادا إلى قوْمِهما مُطْمئِنّي النفس و مُرْتاحي البال))
ومنذ ذلك الوقت أصبح زيدُ بن حارِثة يُدْعى بِزَيْد بن محمّد والغريب في القصَّة هو أنه مهما كان الإنسان يعيش في رَغَدٍ من الحياة إلا أنه لا يُؤثر أحداً على والدَيْه! لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان بِمَثابة الوالد والأم وهكذا الإسلام، وهكذا ليكن المسلم .

 فأنت قد يكون عندك بالمحلّ أو المصنع عامل أو بالبيت يتيم أو طِفْلٌ يكْنس لك، أرِهِ العَطْف والحنان والموَدَّة والإكْرام، اِبْذِل المال واعْتَبِرْه كابنك، والله أستمع إلى كلِّ قِصَّة –شهِد الله- لولا أنَّ الذي أخبرني بها لي صادِقٌ لما صَدِّقتهُ، قَلْبٌ قاسٍ كالحجر، المبيعات باليوم مئة ألف، الراتب ألفان وخمسمئة بالشهر، هل هذا يكْفي؟ وتجده يقول: إذا لم يُعْجِبك هذا المبلغ نأتي بِغَيْرك، القصد أنَّ الإنسان إذا لم يرْحَم لا يُرْحم، وإنْ أرَدْتُم رحْمتي فارْحَموا خَلْقي، فهذا الذي أُجْرته ألفان وخمسمئة بالشهر, هل تكْفيه للأكل هو وزَوْجَته؟ .
 حدَّثني أحد الأخوة, فقال لي: آخذ ألفين وخمسمئة بالشهر, وأنا أشْتري لصاحب المحلّ كلَّ يومٍ أغْراضاً مبْلغها سِتَّة آلاف, فأنت خَرْجك اليومي ستة آلاف, وهذا الصادق الأمين تعطيه ألفين وخمسمئة بالشهر! ثمَّ تذهب إلى المسْجد, الله أكبر! وأنا الآن أحِبُّ أنْ أجري موازنةً، النبي عليه الصلاة والسلام كُتلةُ رحمة، كُتلة إنصاف، كتلة تواضع، كتلة حبٍّ، لذلك لما رأى زيدٌ أباه آثر النبي عليه الصلاة والسلام على أبيه وعمِّه، فكل إنسان عنده شخصٌ تحت يده، قد يكون موظفًا أو صانعا أو خادماً أو آذِناً أو حاجِباً فهذا شَخْصٌ غالٍ عند الله عز وجل، فهذا إنْ اهْتَمَمْتَ به وأكْرَمْته وعاوَنْتَه، وسألْتَ عن أحْواله, ودَقَّقْتَ بِدَخْله وبِأَهْلِهِ, وسألت هل عنده مشروع زواج أو وِلادة أو مُشْكلة؟ فمثلاً: في أوَّل الشِّتاء لا بد له من وَقود، وأوَّلُ العام المدْرسي يحْتاج إلى ملابس لأولاده، فهل أنت تعيشُ لِنَفْسِك أمْ للناس؟ . 

 لكن زيداً اخْتار النبي وآثره وأحَبَّهُ، فماذا نسْتَنبط من هذه الحقيقة؟ نسْتَنْبط أنَّ الأنبياء اصْطفاهُم الله عز وجل من صَفْوَة الخلق، فالنُّبَوَة هِبَة أساسُها اصْطِفاء، والاصْطِفاء أساسه التَفَوُّق، فهو عليه الصلاة والسلام تَفَوَّقَ بِكماله وأخْلاقه وتواضُعِه وإنْسانِيَتِهِ وكَرَمِه وحُبِّه للخلق، فاصْطَفاهُ الله عز وجل، هي نُبَوَّةٌ وهِبَةُ ولكن أساسها اصْطِفاءٌ من بين صَفْوَة الخلق .

الإسلام يحرم التبني :
فلما بُعِثَ النبي عليه الصلاة والسلام, وأبْطَلَ الإسلامُ التَبَني حيث نزل قوله عز وجل:
﴿ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 5 )
عندَئِذٍ عاد النبي عليه الصلاة والسلام وناداهُ زيد بن حارثة اِمْتِثالاً لأمر الله, فإكْراماً له عندما ردّه إلى أبيه, ذكر الله اسمه في القرآن الكريم تطيباً لخاطره، وهو الوحيد الذي ذكِر في القرآن الكريم، إذْ ليس في القرآن الكريم اسم لصحابي إلا سيّدنا زيد، والآية قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 37 )
هل في القرآن اسمُ امرأة؟ نعم مريم، وهي الوحيدة التي ذُكِرَت في القرآن إذْ إنّ بعض العلماء, قال: إنَّ ذِكْر اسم المرأة مكْروه، وإنما ذُكِرت مريم في القرآن لأنَّ سيّدنا عيسى عليه السلام قالوا عنه: إنَّهُ إله، وهو ابن الله، فَرَبُّنا عز وجل, قال: عيسى بن مريم وهو الاسم الوحيد .

المكانة التي احتلها زيد عند رسول الله عليه الصلاة والسلام :
كُنْتُ أذكر لكم هذه الفِكْرة وأكررها كثيراً، لما بُعَث النبي عليه الصلاة والسلام وجاء الوَحْيُ وزَيْدٌ عنده, وقد آثَرَهُ على أمِّهِ وأبيه, فاحْتَلَّ زيْدٌ عند النبي صلى الله عليه وسلَّم مكانة كبيرة، فِالمَرْتبة الاجْتِماعِيَّة والتصْنيف الطَبَقي سيّدنا زيد عَبْدٌ لكنه كان خليفة رسول الله على المدينة, وكان أمين سِرِّه, وقائِدَ غزواته, هذا هو الإسلام الذي نطْمَحُ إليه . 
 دائِماً أيها الأخوة، لا يوجد حُبٌّ من طرفٍ واحدٍ، عظمة النبي عليه الصلاة والسلام أنه أحبَّ أصْحابه كما أحبُّوه، أو أنهم أحَبُّوه كما أنه أحَبَّهُم، أَحَبوهُ لأنه أحَبَّهُم، مُجْتمع المؤمنين مُتماسِك, عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, قَالَ:
((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ))[أخرجه أحمد في مسنده]

إذا لم تُحبّ أخوانك, ولم ترْحَمْهُم، ولم تعْطِف عليهم، ولم تنصِفْهم، ولم تزرهم وتتفَقَّدْهم بِمُناسبات مُعَيَّنة، وتبْذل لهم شيئاً من مالك حتى يصير الأخ لِأخيه كالبُنْيان المَرْصوص, إنْ لم نكُن كذلك فَلَسْنا من المؤمنين .
هنيئاً لك زيد على هذا الحب المبارك لك من نبي الله محمد عليه الصلاة والسلام :
الشيءُ الذي لفتَ نظري في سيرة هذا الصحابي، كما أنه أحَبَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم وآثره على أمِّه وأبيه فقد أحَبَّهُ النبي عليه الصلاة والسلام وخلطه بِأهله وبنيه فكان يشْتاقُ إليه .

 أيها الأخوة، أُقْسِم لكم بالله أنَّ أخاً كريماً إذا غابَ أسبوعاً أو أسْبوعَيْن أشْتاقُ له، هذه حقيقة وليس ادعاءً، والعلاقة بين المؤمنين لا يعْلمها إلا الله, لا تظنّ أنَّ أخْوانك هم الذين يُحِبونك فقط بل لا بد من أنْ تُحِبَّهم أيضاً، وتشْتاقُ لهم كما يشْتاقون لك، وتُؤْثِرُهم كما يُؤْثِرونك، وتَحْفظ وُدَّهُم كما يحْفظون وُدَّك, هذا مُجْتمعُ المؤمنين والصحابة . 

 فالنبي صلى الله عليه وسلّم إنْسانٌ عظيمٌ جداً ووقورٌ جداً وهو سيِّدُ الأنبياء, ومع ذلك يشْتاقُ لزيد إذا غاب عنه, وهذا هو مُجْتمع المؤمنين, على عكس مُجْتمع الدنيا، إذ يضْحك لك أحدهم ويبتسمُ لك ابْتِسامة صفراء وهو يكيد لك, الذي لفتَ نظري أنَّ النبي يشْتاقُ إليه, هذا المُتَّصِل بالله عز و جل والذي يأتيه الوَحْي وأسْعد الخلق يشْتاقُ لِسَيِّدِنا زيْد قصير القامة، شديد السُّمْرة، في أنفِهِ فَطس، وهو حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقد كان يشْتاقُ إليه إذا غاب عنه, ويفْرَحُ بِقُدومه إذا عاد إليه, ويلْقاهُ لِقاءً لا يَحظى بِمِثْله أحد، هذا هو الوفاء، وكأنَّ لِسانَ حالِ النبي عليه الصلاة والسلام: أنت يا زيد آثرْتني على والِدَيْك وبقيتَ عندي أفلا أُحِبُّك أشَدَّ من حُبِّك لي؟ .

 السَيِّدة عائِشَة رضي الله عنها تَرْوي مشْهداً, تقول:
((قَدِمَ زيد بن حارِثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم في بيتي فقَرَعَ الباب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتَخَفِّفاً من ثِيابه, فلما علِمَ أنَّ زيْداً قد جاء فَمِن شِدَّة شَوْق النبي لِزَيْدٍ واهْتِمامه به نَسِيَ أنْ يرْتَدي ثِيابه الخارِجِيَّة, فلما قرع الباب قام إليه النبي عليه الصلاة والسلام بِثِيابه الخفيفة, ومضى نحو الباب يَجُرُّ ثَوْبَهُ فاعْتَنَقَهُ وقبَّلَهُ, ووالله ما رأيْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يسْتقبل أحداً قبله ولا بعده بِهذه الثِّياب))

وهو مَشْهَدٌ من مشاهد حُبِّ النبي لِهذا الصحابيِّ الجليل، شاعَ هذا الأمر بين الصحابة حتى إنَّ الصحابة سَمَّوْهُ بِزَيْد الحِبّ أيْ محْبوبهُ, وأطْلقوا عليه لقب حِبَّ رسول الله, ولَقَّبوا ابنه أسامة من بعده بِحِبِّ رسول الله وابن حِبِّه .

كيف استشهد هذا الصحابي ؟
قِصَّة اسْتِشْهادِهِ معْروفة عندكم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام عَيَّنَهُ القائِد الأول في جَيْش مؤتة, وتَعْلمون أنَّ مؤتة موْقِعَةٌ خاضَها المُسلمون, والنبي عليه الصلاة والسلام ليس معهم، كان أصْحابُ النبي ثلاثة آلاف، ما قَوْلُكم بأنهم واجَهوا أكثر من مئتي ألف من الروم؟ ووقف أصْحاب النبي أمام هذا الجيش الكبير بِعُدَّتِه وعتاده, والقِصَّة التي أرْويها لكم دائِماً أنَّ سيّدنا جعْفر تسلم القيادة بعد استشهاد زيد, فلما قطعت يده اليُمنى, حَمَل الراية بِيَدِهِ اليُسرى فلما قُطِعَت اليُسْرى حَمَلها بِعَضُدَيْه, وقاتل حتى قُتِل, وخَرَّ صريعاً من علا فرَسِه غارِقاً في بحْر دِمائِهِ واسْتُشْهِد، بعدها تقدَّم سيّدنا ابن رواحة, رأى صاحِبَيْه قد اسْتُشْهِدا في وقْتٍ قصيرٍ جداً, ورأى مصيرهُ المحْتوم, بعضُهم قال: تَرَدَّد مِقدار ثلاثين ثانية, بمِقْدار بيْتَيْن من الشِّعر:
يا نفْسُ إلا تُقْتلي تموتي  هذا حِمامُ الموت قد صليتِ
إنْ تفْعلي فِعْلهما رضيتِ  وإنْ تَوَلَّيْتِ فقـد شَـقيـتِ
وقاتل حتى قُتِل، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما بلغه النبأ, قال:
((أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قُتِل, وإني لأرى مقامه في الجنَّة, وقبله سيّدنا زيد بن حارثة قاتل حتى قُتِل واسْتُشهد, ومن شِدَّة وفائِه ذهب بِنَفْسِه لِيُبَلِّغَ أهل سيِّدنا جَعْفر نبأ اسْتِشْهاده لأنَّ مكانته الكبيرة عند الله لعلَّها تُخَفِّفُ وطْأةَ خبرِ اسْتِشْهاده, وذهب بِنَفْسِهِ أيضاً إلى بيتِ سيّدنا زيدٍ بن حارِثة لِيُبَلِّغ نبأ اسْتِشهاده، ولما َبَلَغَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم أنباءُ مُؤتة ومصْرَعُ قادته الثلاثة حَزِنَ عليهم حُزْناً لم يحْزن مثله قطُّ ، ومضى إلى أهْليهم يُعَزيهم فيهم فلما بلغ بيتَ زيْدٍ لاذَتْ به ابنته أيْ أقْبلت على النبي عليه الصلاة والسلام وتعلَّقَت به، وهي مُجْهِشَةٌ بالبُكاء، شيءٌ غريب فقد كان النبي يبْكي ولكن بدون صَوْتٍ إلا مرَّةً واحدة فقد بكى صلى الله عليه وسلَّم حتى انتَحَب, ومعنى انْتَحَب اِرْتفع صوْته بالبُكاء، فقال له سعدُ بن عُبادة: ما هذا يا رسول الله؟‍ فقال عليه الصلاة والسلام: هذا بُكاءُ الحبيب على حبيبه))

هذا هو الحُبّ الذي بين النبي وبين أصْحابه، وينْبغي أنْ يكون هذا الحُبُّ بين المؤمنين ، وهذا هو الإسلام، هؤلاء الصحابة هم الذين حملوا الإسلام ورَوَوا هذه الأراضي بِدِمائِهم، أما نحن فالإسلام هو الذي حملنا، فإذا الإنسان منا حَفِظ القرآن أُكْرم بالجوائِز من عُمْرةٍ ودراهم إلى احْتِفالات وعزائِم، وهؤلاء الدعاة الآن يُكْرمون كثيراً, أما الذين فتحوا هذه البلاد ورووا الأرض بِدِمائِهم، والذين دفعوا الثمن باهِظاً، وأكلوا طعاماً خَشِناً, وخاضوا حُروباً قاسِيَة, وما ذاقوا طعْمَ النوم إلا قليلاً, فهؤلاء هم الذين حملوا الإسلام حقاً فَشَتَّان بين أن تحْمِل الإسلام وبين أنْ يحملك الإسلام ‍.
اقرأ المزيد...

الجمعة، 8 مارس، 2013

معلومه غريبه جدا جدا ورائعه جدا جدا عن ماء زمزم


قال أحد الأطباء في عام 1971 إن ماء زمزم غير صالح للشرب استنادا إلى أن موقع الكعبة المشرفة منخفض عن سطح البحر ويوجد في منتصف مكة فلا بد أن مياه الصرف الصحي تتجمع في بئر زمزم !!! ما أن وصل ذلك إلى علم الملك فيصل رحمه الله حتى أصدر أوامره بالتحقيق في هذا الموضوع وتقر إرسال عينات من ماء زمزم إلى معامل أوروبية لإثبات مدى صلاحيته للشرب ...

ويقول المهندس الكيميائي معين الدين أحمد الذي كان يعمل لدى وزارة الزراعة والموارد المائية السعودية في ذلك الحين أنه تم اختياره لجمع تلك العينات ... وكانت تلك أول مرة تقع فيها عيناه على البئر التي تنبع منها تلك المياه وعندما رآها لم يكن من السهل عليه أي يصدق أن بركة مياه صغيرة لا يتجاوز طولها 18 قدما وعرضها 14 قدما توفر ملايين الجالونات من المياه كل سنة للحجاج منذ حفرت من عهد إبراهيم عليه السلام .. 

وبدأ معين الدين عمله بقياس أبعاد البئر ثم طلب من أن يريه عمق المياه فبادر الرجل بالاغتسال ثم نزل إلى البركة ليصل ارتفاع المياه إلى كتفيه وأخذ يتنقل من ناحية لأخرى في البركة بحثا عن أي مدخل تأتي منه المياه إلى البركة غير أنه لم يجد شيئا ..

وهنا خطرت لمعين الدين فكرة يمكن أن تساعد في معرفة مصدر المياه وهي شفط المياه بسرعة باستخدام مضخة ضخمة كانت موجودة في الموقع لنقل مياه زمزم إلى الخزانات بحيث ينخفض مستوى المياه بما يتيح له رؤية مصدرها غير أنه لم يتمكن من ملاحظة شيء خلال فترة الشفط فطلب من مساعده أن ينزل إلى الماء مرة أخرى ..

وهنا شعر الرجل بالرمال تتحرك تحت قدميه في جميع أنحاء البئر أثناء شفط المياه فيما تنبع منها مياه جديدة لتحلها وكانت تلك المياه تنبع بنفس معدل سحب المياه الذي تحدثه المضخة بحيث أن مستوى الماء في البئر لم يتأثر إطلاقا بالمضخة .. وهنا قام معين الدين بأخذ العينات التي سيتم إرسالها إلى المعامل الأوروبية وقبل مغادرته مكة استفسر من السلطات عن الآبار الأخرى المحيطة بالمدينة فأخبروه بأن معظمها جافة ..

وجاءت نتائج التحاليل التي أجريت في المعامل الأوروبية ومعامل وزارة الزراعة والموارد المائية السعودية متطابقة فالفارق بين مياه زمزم وغيرها من مياه مدينة مكة كان في نسبة أملاح الكالسيوم والمغنسيوم ولعل هذا هو السبب في أن مياه زمزم تنعش الحجاج المنهكين ..

ولكن الأهم من ذلك هو أن مياه زمزم تحتوي على مركبات الفلور التي تعمل على إبادة الجراثيم !! وأفادت نتائج التحاليل التي أجريت في المعامل الأوروبية أن المياه صالحة للشرب ويجدر بنا أن نشير أيضا إلى أن بئر زمزم لم تجف أبدا من مئات السنين وأنها دائما ما كانت توفي بالكميات المطلوبة من المياه للحجاج وأن صلاحيتها للشرب تعتبر أمرا معترفا به على مستوى العالم نظرا لقيام الحجاج من مختلف أنحاء العالم على مدى مئات السنين بشرب تلك المياه المنعشة والاستمتاع بها ..

وهذه المياه طبيعية تماما ولا يتم معالجتها أو إضافة الكلور إليها .. كما أنه عادة ما تنمو الفطريات والنباتات في الآبار مما يسبب اختلاف طعم المياه ورائحتها أما بئر زمزم فلا تنمو فيها أية فطريات أو نباتات ..
اقرأ المزيد...

الأحد، 17 فبراير، 2013

لماذا فضل نبينا على باقي الانبياء والرسل



إختص الله سبحانه وتعالى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، بأمور لم تـُعطى لنبي أو رسول من قبله..وجاءت فى حديثه الشريف صلى الله عليه وسلم :

عن ابي هريرة رضي الله عنه : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((فضلت على الانبياء بست :اعطيت جوامع الكلم , ونصرت بالرعب ,واحلت لي الغنائم , وجُعلت لي الارض مسجدا ًوطهوراً, وأرسلت للناس كافة وختم بي النبيون))
اخرجه مسلم والترمذي

وعلى هذا فـُضل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على الانبياء والرُسل بستة أشياء وهى:

1.أعطيت جوامع الكلم: ومعنى ذلك أن الله أعطى رسوله صلى الله عليه وسلم الفصاحة والبلاغة وبذلك تفرد عن غيره من الرُسل بهذه الخصلة العظيمة فكان افصح الناس وأبلغهم..

2.ونصرت بالرعب: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج للقتال بالأعداد القليلة وبالمقابل كان الاعداء أعدادهم كبيرة جدا فما ان يسمع الأعداء أن الرسول صلى الله عليه وسلم من بين المقاتلين إلا ويدُب الرعب في قلوبهم ويستولي عليهم الهلع والخوف فيطلبون منه الصلح قبل القتال من شدة خوفهم وهذا تأكيد لنصر الله له بالرعب..

3.وأحلت لي الغنائم: لم تكن الغنائم تحل للأنبياء السابقين وقد احلها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده حتى جعلها الله سبحانه وتعالى وعدا ًللمؤمنين..

4.وجعلت لي الأرض مسجدا ًوطهورا ً:كان الرُسل السابقين ، لا يصلون إلا في مواضع مخصوصة كالبِيع والصوامع مكان عبادة اليهود والكنائس مكان عبادة النصارى وكانوا لا يصلون إلا فيها اما المسلمون فقد خصهم الله تعالى بجوازالصلاة في أي مكان من الارض مادام طاهرا ً كما أباح لهم التيمم في حالة انعدام الماء..

5.وأرسلت إلى الناس كافة: كان الأ نبياء السابقون يبعثون الى اقوامهم فقط أما رسول الله صلى الله عليه وسلم ارسل إلى جميع الناس فى كل بقاع الأرض كافة كما في قوله تعالى :
(وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ًونذيراً ولكن أكثر الناسلا يعلمون ) سبأ 28..

6.وختم بي النبيون: آخر ما خص الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهو أن ختم به الرسالات والأنبياء فلا نبى ولا رسول بعده حتى تقوم الساعة..

وصلى الله وسلم وبارك عليك ياعلم الهُدى ماهبت النسائم 
وناحت على الأيك الحمائم عليك وعلى آلكَ وأصحابك أجمعين
اقرأ المزيد...

الأحد، 13 يناير، 2013

الفرق بين المعوذتين



في الحقيقة من اجمل المعلومات التي قرأتها فعلا معلومة من ذهب ، ھل تعرفو الفرق بين المعوذتين ( الفلق والناس ) في المعنى ؟

سورة (الفلق ) إستعاذة من الشرور الخارجية :
الليل إذا أظلم 
القمر إذا غاب 
وهذان الوقتان مظنة كثرة الشرور والساحرات اللاتي ينفخن في عقد السحر والحسد.

سورة (الناس) إستعاذة من الشرورالداخلية :
من الوسواس وهو القرين 
والنفس الأمارة بالسوء إذا غفل المسلم 

والشرور الداخلية أشد من الخارجية 
فالشرور الخارجية ممكن تبتعد عنها 
والشرور الداخلية ملازمة لا تنفك عنك أبداً 

لذلك نستعيذ مرة في الفلق وثلاث مرات في الناس
فأنت تقول في الفلق ( قل أعوذ برب الفلق ) ثم تذكر المستعاذ منه.
وفي الناس تقول ( قل أعوذ 1- برب الناس 2- ملك الناس 3- إله الناس ) ثم تذكر المستعاذ منه.

فمن يقرأ المعوذتين يُوقى بإذن الله من جميع الشرور الخارجية والداخلية.

ومن عرف هذا المعنى تبين له سبب هذه الفضائل الكثيرة التي حشدت للمعوذتين
اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 1 يناير، 2013

الحذر من الإفراط في إظهار النعم

في الحقيقة هذا مقتطف من كتاب صيد الخاطر لإبن الجوزي يتحدث فيه عن العين فق قال رحمه الله:
قد ركب في الطباع حب التفضيل على الجنس ، فما أحد إلا و هو يحب أن يكون أعلى درجة من غيره . فإذا وقعت نكبة أوجبت نزوله عن مرتبة سواه ، فينبغي أن يتجلد بستر تلك النكبة ، لئلا يرى بعين نقص . 

ليتجمل المتعفف حتى لا يرى بعين الزحمة ، و ليتحامل المريض لئلا يشمت به ذو العافية. و قد قال صلى الله عليه و سلم لأصحابه حين قدومه مكة و قد أخذتهم الحمى فخاف أن يشمت بهم الأعداء حين ضعفهم عن السعي ، فقال : رحم الله من أظهر من نفسه الجلد ، فيرملوا ـ و الرمل شدة السعي ـ . 
و زال ذلك السبب و بقي الحكم ، ليتذكر السبب فيفهم معناه . 
استأذنوا على معاوية و هو في الموت ، فقال لأهله : أجلسوني ، فقعد متمكناً يظهر العافية ، فلما خرج العواد أنشد : 
    و تجلدي للشامتين أيهم       أني لريب الدهر أتضعضع 
و إذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع و ما زال العقلاء يظهرون التجلد عند المصائب و الفقر و البلاء ، لئلا يتحملوا معى النوائب شماتة الأعداء ، و إنها لأشد من كل نائبة . كان فقيرهم يظهر الغنى ، و مريضهم يظهر العافية . 

   بلى ، ثم نكتة ينبغي التفطن لها ، ربما أظهر الإنسان كثرة المال و سبوغ النعم ، فأصابه عدوه بالعين ، فلا يفي ما تبجح به بما يلاقي من انعكاس النعمة . 
   و العين لا تصيب إلا ما يستحسن ، و لا يكفي الاستحسان في إصابة العين حتى يكون من حاسد ، و لا يكفي ذلك حتى يكون من شرير الطبع . 

   فإذا اجتمعت هذه الصفات خيف من إصابة العين ، فليكن الإنسان مظهراً للتجميل مقدار ما يأمن إصابة العين و يعلم أنه في خير . و ليحذر الإفراط في إظهار النعم ، فإن العين هناك محذورة . 
   و قد قال يعقوب لنبيه عليهم السلام لا تدخلوا من باب واحد و ادخلوا من أبواب متفرقة. 
   و إنما خاف عليهم العين . فليفهم هذا الفصل فإنه ينفع من له تدبر .
اقرأ المزيد...

قواعد في أسماء الله تعالى

القاعدة الأولى: أسماء الله تعالى كلها حسنى:
أي بالغة في الحسن غايته، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)(1). وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالاً ولا تقديراً.
* مثال ذلك: "الحي" اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال. الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم، والقدرة، والسمع، والبصر وغيرها.

* ومثال آخر: "العليم" اسم من أسماء الله متضمن للعلم الكامل، الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، قال الله تعالى (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى)(2). العلم الواسع المحيط بكل شيء جملةً وتفصيلاً، سواء ما يتعلق بأفعاله، أو أفعال خلقه، قال الله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)(3). (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)(4)، (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)(5).

* ومثال ثالث: "الرحمن" اسم من أسماء الله تعالى متضمن للرحمة الكاملة، التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، "لله أرحم بعباده من هذه بولدها"(6) يعني أم صبي وجدته في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته، ومتضمن أيضاً للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)(7)، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً).

والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال.

مثال ذلك: "العزيز الحكيم". فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيراً. فيكون كل منهما دالاً على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم، والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلماً وجوراً وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم، فيظلم ويجور ويسيء التصرف. وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل.

القاعدة الثانية: أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف:
أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله - عز وجل - وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص فـ "الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم". كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.

وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف، لدلالة القرآن عليه. كما في قوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(9). وقوله: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَة)(10). فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة. ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، ولا بصير إلا لمن له بصر، وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل.

وبهذا علم ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل التعطيل وقالوا: إن الله تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة وهكذا.. وعللوا ذلك بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء. وهذه العلة عليلة بل ميتة لدلالة السمع(11) والعقل على بطلانها.

أما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة، مع أنه الواحد الأحد. فقال تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ* إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ* وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ* ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ* فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)(12). وقال تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى* وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى* فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى)(13). ففي هذه الآيات الكريمة أوصاف كثيرة لموصوف واحد، ولم يلزم من ثبوتها تعدد القدماء. 

وأما العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف، حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي من صفات من اتصف بها، فهي قائمة به، وكل موجود فلابد له من تعدد صفاته، ففيه صفة الوجود، وكونه واجب الوجود، أو ممكن الوجود، وكونه عيناً قائماً بنفسه أو وصفاً في غيره.

وبهذا أيضاً علم أن: "الدهر" ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى، ولأنه اسم للوقت والزمن، قال الله تعالى عن منكري البعث: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ)(14) يريدون مرور الليالي والأيام.

فأما قوله صلى الله عليه وسلم: "قال الله - عز وجل -: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار"(15). فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى؛ وذلك أن الذين يسبون الدهر إنما يريدون الزمان الذي هو محل الحوادث، لا يريدون الله تعالى، فيكون معنى قوله: "وأنا الدهر" ما فسره بقوله: "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار"، فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بين أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يمكن أن يكون المقلب (بكسر اللام) هو المقلب (بفتحها) وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مراداً به الله تعالى.

القاعدة الثالثة:أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد، تضمنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها. ولهذا استدل أهل العلم على سقوط الحد عن قطاع الطريق بالتوبة، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(16)؛ لأن مقتضى هذين الاسمين أن يكون الله تعالى قد غفر لهم ذنوبهم، ورحمهم بإسقاط الحد عنهم.
* مثال ذلك: "السميع" يتضمن إثبات السميع اسماً لله تعالى، وإثبات السمع صفة له وإثبات حكم ذلك ومقتضاه وهو أنه يسمع السر والنجوى كما قال تعالى: (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(17).
وإن دلت على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل.
* مثال ذلك:"الحي" يتضمن إثبات الحي اسماً لله – عز وجل - وإثبات الحياة صفة له.

القاعدة الرابعة: دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن وبالالتزام.
* مثال ذلك: "الخالق" يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.
ولهذا لما ذكر الله خلق السموات والأرض قال: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)(1 ودلالة الالتزام مفيدة جداً لطالب العلم إذا تدبر المعنى ووفقه الله تعالى فهماً للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة.
واعلم أن اللازم من قول الله تعالى، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا صح أن يكون لازماً فهو حق؛ وذلك لأن كلام الله ورسوله حق، ولازم الحق حق، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازماً من كلامه وكلام رسوله فيكون مراداً.

وأما اللازم من قول أحدٍ سوى قول الله ورسوله، فله ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يذكر للقائل ويلتزم به، مثل أن يقول من ينفي الصفات الفعلية لمن يثبتها: يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله - عز وجل - أن يكون من أفعاله ما هو حادث. فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالاً لما يريد ولا نفاد لأقواله وأفعاله كما قال تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً)(19). وقال: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(20). وحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصاً في حقه.

الحال الثانية: أن يذكر له ويمنع اللازم بينه وبين قوله، مثل أن يقول النافي للصفات لمن يثبتها: يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابهاً للخلق في صفاته. فيقول المثبت: لا يلزم ذلك، لأن صفات الخالق مضافة إليه لم تذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك أيها النافي للصفات تثبت لله تعالى ذاتاً وتمنع أن يكون مشابهاً للخلق في ذاته، فأي فرق بين الذات والصفات؟!.
وحكم اللازم في هاتين الحالتين ظاهر.

الحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتاً عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع، فحكمه في هذه الحال ألا ينسب إلى القائل، لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر له فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله؛ لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم. ولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول.
فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازماً من قوله، لزم أن يكون قولاً له، لأن ذلك هو الأصل، لاسيما مع قرب التلازم.
قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر، وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل، أو يسهو، أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه، ونحو ذلك.

اقرأ ايضاً
اقرأ المزيد...