الحذر من الإفراط في إظهار النعم

دار العلوم
المؤلف دار العلوم
تاريخ النشر
آخر تحديث
في الحقيقة هذا مقتطف من كتاب صيد الخاطر لإبن الجوزي يتحدث فيه عن العين فق قال رحمه الله:
قد ركب في الطباع حب التفضيل على الجنس ، فما أحد إلا و هو يحب أن يكون أعلى درجة من غيره . فإذا وقعت نكبة أوجبت نزوله عن مرتبة سواه ، فينبغي أن يتجلد بستر تلك النكبة ، لئلا يرى بعين نقص . 


ليتجمل المتعفف حتى لا يرى بعين الزحمة ، و ليتحامل المريض لئلا يشمت به ذو العافية. و قد قال صلى الله عليه و سلم لأصحابه حين قدومه مكة و قد أخذتهم الحمى فخاف أن يشمت بهم الأعداء حين ضعفهم عن السعي ، فقال : رحم الله من أظهر من نفسه الجلد ، فيرملوا ـ و الرمل شدة السعي ـ . 
و زال ذلك السبب و بقي الحكم ، ليتذكر السبب فيفهم معناه . 
استأذنوا على معاوية و هو في الموت ، فقال لأهله : أجلسوني ، فقعد متمكناً يظهر العافية ، فلما خرج العواد أنشد : 
    و تجلدي للشامتين أيهم       أني لريب الدهر أتضعضع 
و إذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع و ما زال العقلاء يظهرون التجلد عند المصائب و الفقر و البلاء ، لئلا يتحملوا معى النوائب شماتة الأعداء ، و إنها لأشد من كل نائبة . كان فقيرهم يظهر الغنى ، و مريضهم يظهر العافية . 

   بلى ، ثم نكتة ينبغي التفطن لها ، ربما أظهر الإنسان كثرة المال و سبوغ النعم ، فأصابه عدوه بالعين ، فلا يفي ما تبجح به بما يلاقي من انعكاس النعمة . 
   و العين لا تصيب إلا ما يستحسن ، و لا يكفي الاستحسان في إصابة العين حتى يكون من حاسد ، و لا يكفي ذلك حتى يكون من شرير الطبع . 

   فإذا اجتمعت هذه الصفات خيف من إصابة العين ، فليكن الإنسان مظهراً للتجميل مقدار ما يأمن إصابة العين و يعلم أنه في خير . و ليحذر الإفراط في إظهار النعم ، فإن العين هناك محذورة . 
   و قد قال يعقوب لنبيه عليهم السلام لا تدخلوا من باب واحد و ادخلوا من أبواب متفرقة. 
   و إنما خاف عليهم العين . فليفهم هذا الفصل فإنه ينفع من له تدبر .

تعليقات

عدد التعليقات : 0