فضل عزلة الناس

دار العلوم
المؤلف دار العلوم
تاريخ النشر
آخر تحديث


لقد قمت بقرأة هذه المقالة في كتاب صيد الخاطر لإبن الجوزي رحمه الله يتحدث فيه عن فضل اعتزال الناس خصوصاً ، للعالم الشريف وهذه نص المقالة حول فضل عزلة الناس.

حيث قال ابن الجوزي رحمه الله - ما أعرف للعالم قط لذة و لا عزاً و لا شرفاً و لا راحة و لا سلامة أفضل من العزلة ، فإنه ينال بها سلامة بدنه و دينه و جاهه عند الله عز وجل و عند الخلق ، لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم ، و لا يعظم عندهم قدر المخالط لهم ، و لهذا عظم قدر الخلفاء لاحتجابهم . 

و إذا رأى العوام أحد العلماء مترخصاً في أمر مباح هان عندهم ، فالواجب عليه صيانه علمه و إقامة قدر العلم عندهم .

فقد قال بعض السلف : كنا نمزح و نضحك ، فإذا صرنا يقتدى بنا فما أراه يسعنا ذلك . 
و قال سفيان الثوري : تعلموا هذا العلم و اكظموا عليه ، و لا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب. 

فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر .
و قد قال صلى الله عليه و سلم لعائشة : لو لا حدثنا قومك في الكفر لنقضت الكعبة و جعلت لها بابين . 
و قال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب : [ رأيت الناس يكرهونهما فتركتهما ].
و لا تسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء ، إنما هذه صيانة للعلم ، و بيان هذا أنه لو خرج العالم إلى الناس مكشوف الرأس أو في يده كسرة يأكلها قل عندهم و إن كان مباحاً ، فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية .

فلا ينبغي للعالم أن ينبسط عند العوام حفظاً لهم ، و متى أراد مباحاً فليستتر به عنهم ،    و هذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قد قدم الشام راكباً على حمار و رجلاه من جانب ، فقال : [ يا أمير المؤمنين يتلقاك عظماء الناس ، فما أحسن ما لاحظ ].
  
إلا أن عمر رضي الله عنه أراد تأديب أبي عبيدة بحفظ الأصل فقال : [ إن الله أعزكم بالإسلام فمهما طلبتم العزة في غيره أذلكم ] ، و المعنى ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين لا بصور الأفعال ، و إن كانت الصور تلاحظ . 

فإن الإنسان يخلو في بيته عرياناً ، فإذا خرج إلى الناس لبس ثوبين و عمامة و رداء ،    و مثل هذا لا يكون تصنعاً و لا ينسب إلى كبر . 

و قد كان مالك بن أنس يغتسل و يتطيب و يقعد للحديث ، و لا تلتفت يا هذا إلى ما ترى من بذل العلماء على أبواب السلاطين ، فإنه العزلة أصون للعالم و العلم ، و ما يخسره العلماء في ذلك أضعاف ما يربحونه . 

و قد كان سيد الفقهاء سعيد بن المسيب لا يغشى الولاة ، و عن قول هذا سكتوا عنه ، و هذا فعل الحازم . 

فإن أردت اللذة و الراحة فعليك أيها العالم بقعر بيتك ، و كن معتزلاً عن أهلك يطب لك عيشك ، و اجعل للقاء الأهل وقتاً ، فإذا عرفوه تصنعوا للقائد ، فكانت المعاشرة بذلك أجود . 

و ليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه ، وتحادث سطور كتبك ، و تجري في حلبات فكرك ، و إحيرس من لقاء الخلق و خصوصاً العوام ، و اجتهد في كسب يعفك عن الطمع ، فهذه نهاية لذة العالم في الدنيا . 

و قد قيل لا بن المبارك : ما لك لا تجالسنا ؟ فقال : أنا أذهب فأجالس الصحابة و التابعين و أشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه . و متى رزق العالم الغنى عن الناس و الخلوة ، فإن كان له فهم يجلب التصانيف فقد تكاملت لذة . 

و إن رزق فهماً يرتقي إلى معاملة الحق و مناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات ، نسأل الله عز وجل همة عالية تسمو إلى الكمال ، و توفيقاً لصالح الأعمال ، فالسكون طريق الحق أفراد .

تعليقات

عدد التعليقات : 0